يوسف زيدان
84
رسالة الأعضاء
بها . وهي التي يجب أن تكون في غاية الصفاء ، لتجوّد الإدراك والقبول . والدماغ لرطوبته ولينه ، يتضرر بعفنها أو بحدتها أو ببردها أو تمديدها . وخصوصا ووضع الدماغ ، في موضع اتجاه الأبخرة ، مع برده المحيل للأبخرة إلى المائية . فلذلك جعل له منافذ إلى الأنف ، ومنافذ إلى الحنك ، فاحتيج ضرورة أن يكون العظم الذي هناك متخلخلا ؛ لتنفذ فيه الفضول ، وذلك هو العظم المشاشي « 1 » ، ليحسّن دمائية الدماغ « 2 » . واحتيج أن ينثقب ؛ لتنفذ فيه الفضول ، وذلك هو : المصفاة « 3 » . ثم لما كان الغذاء يجب أن يكون شبيها بالمغتذي ، وجب أن يكون عند « 4 » الدماغ من الدم المخالط للبلغم ، ومثل هذا مما يعسر إصعاده إلى موضع الدماغ . فاحتيج ضرورة أن يخالطه جزء صالح من الصفراء ؛ لتنفذه إلى جهة فوق . فإذا استعمل الدماغ غذاءه « 5 » تميزت تلك الصفراء ، وكان في دفعها من المخارج المذكورة « 6 » إضرار بها ، فوجب أن تندفع إلى مخرج أصلب منه . . وهو منفذ الأذن ، وكان في ذلك منفعة أخرى ، وهي : أن يبقى هناك شيء مرّ ؛ ليقتل ما يدخل فيه من ذباب وغيره . ثم لما كان الدماغ مبدأ لصدور أفعال الحسّ والحركة الإرادية ، وجب أن تتصل به منافذ تجرى منها الأرواح الحاملة لتلك القوى ، وتلك هي : الأعصاب . لكن ما كان من ذلك « 7 » نافذا إلى الأعضاء البعيدة ، كان معرضا للانقطاع في المسافة الطويلة ، فأبرز من الدماغ جرم شبيه به ؛ ليكون كالرسول والخليفة عنه ، وجعل النافذ إلى الأعضاء البعيدة متصلا به ، وذلك هو : النخاع . فاحتيج إلى جسم صلب يمكّنه وينفذ فيه ، وذلك هو : الصّلب . فوجب أن يكون ملتئما من أجزاء كثيرة ؛ إذ لو كان عظما واحدا ، لم يمكن الإنسان الانثناء والانحناء .
--> ( 1 ) مشاشة العظم Ostei - epiphysis ، والمشاشي Cancello صفة للعظام التي تتكون من ألياف وصفائح رقيقة تتصل بعضها ببعض ، بحيث تكون نسيجا شبكيّا ( معجم المصطلحات العلمية ص 636 - المعجم الطبي الموحد ص 452 ) . ( 2 ) في الأصل : للدماغ . ( 3 ) المصفاة Cribrum ( 4 ) غير واضحة في الأصل . ( 5 ) في الأصل : غذاه . ( 6 ) في الأصل : المركورة ! ( 7 ) يقصد ، من الأعصاب المتصلة بالدماغ .